الشيخ علي المشكيني
27
دروس في الأخلاق
تتحرّك الأعضاء وتسكن ، ولا تخلف لإرادتها عن وقوع المراد ، وهذا من أحسن أمثلة تسلّط الربّ تعالى على خلقه ، ونفوذ مشيئته فيما شاء وأراد ، وإن كان بينهما فرق واضح ؛ فإنّ النفس فضلًا عن تسلّطها حادثةٌ ، ووجودها مفاضٍ من إرادة الربّ ، وأنّه قد يحدث للأعضاء خلل ونقص لا يؤثر فيها إرادة النفس ، ولا يكون ذلك في إرادة اللَّه ، وبهذه الملاحظة اطلق على النفس والقلب إمام الأعضاء ومرجعها وهاديها ورئيسها المتولّي لأمرها . ففي مباحثة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد - التي نقلها للصادق عليه السلام فأمضاها ، وأقْسَمَ باللَّه تعالى على كونها مكتوبةً في صُحف إبراهيم وموسى : - قال : قلت له : ألك قلب ؟ قال : نعم ، قلت : وما تصنع به ؟ قال : أميّز [ به ] « 1 » كلّ ما ورد على هذه الجوارح . قلت : أفليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب ؟ قال : لا . قلت : وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟ قال : يا بُنّي ، إنّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته ردّته إلى القلب ، فييقّن اليقين ويبطل الشكّ . قلت : إنّما أقام اللَّه القلب لشكّ الجوارح ؟ قال : نعم . قلت : فلابدّ من القلب ، وإلّالم يستقم الجوارح ؟ قال : نعم . فقلت : يا أبا مروان ، إنّ اللَّه لم يترك جوارحَك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ، وييقّن ما شكّ فيه ، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم ، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليهم شكّهم وحيرتهم [ . . . ] قال : فسكت ولم يقل شيئاً « 2 » . وفي خبر ابن سنان : « اعلم أنّ منزلةَ القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم ؛ ألا ترى أنّ جميعَ جوارح الجسد شُرَط للقلب ، وتراجمة له ، مؤدّية عنه » « 3 » . الشُّرَط - كصُرَد ، جمع شُرْطة - : أعوان الولاة . وفي توحيد المفضّل : « فكّر - يا مفضّل - في الأفعال التي جُعلت في الإنسان مِن الطَّعم و
--> ( 1 ) . أضفناه من المصدر . ( 2 ) . الأمالي للصدوق ، ص 591 ، ح 15 ؛ بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 249 ، ح 1 ( مع اختلاف يسير في اللفظ ) . ( 3 ) . علل الشرائع ، ص 109 ؛ بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 249 ، ح 2 .